18 مارس 2011

يا غولة عينك حمرا...

تعج وسائل الإعلام المختلفة بالخطب الرنانة والتحليلات التي تنهمر علينا ليل نهار بإشارات مبهمة أو مهذبة أو لنقل متوجسة في ظروف حرجة لا يصلح معها التورية والتمويه والضبابية ، فلابد لنا أن نشير بوضوح ودونما مواربة إلى تلك الألغام التي بدأ بعضها في الانفجار وبعضها الآخر ينتظر الفرصة. لقد آن للمترددين أن يقولوا للغولة عينك حمرا .. وللأعور أنت أعور في عينه الوحيدة بلا تهذيب مصطنع قد يدمر البلاد ويهوي بها إلى غياهب الفوضى الرهيبة التي لن تخرج منها مهما حاولنا عندها ترك ذلك التهذيب المصطنع واليقظة بعد خراب مالطا وفوات الأوان.


لنشير بوضوح إلى المجرمين في وجوههم بلا تردد لأن الثمن هو ضياع مصر التي أعادتها إلينا ثورة الخامس والعشرين من يناير وهي تصرخ فينا أن نفيق وندركها ، فهل من مجيب .. ؟ ثورة يناير ثورة شعب مصر وأبناء القوات المسلحة العظيمة هم جزء من هذا الشعب ولكنهم ليسوا كل الشعب ولا يبنغي لهم أن يسرقوا ثورة الشعب ويساهموا طوعاً أو كرهاً في الإلتفاف حولها وتقويضها أو تفريغها من محتواها بما يأمرون البلاد به رغماً عنها ، فهل هم جزء من الثورة المضادة ، أو بعضهم؟ لا أحد يتحدث عن هذا علناً وإن كان الجميع يتهامس به في الجلسات الخاصة لما يرونه من تصرفات ضبابية ومواقف هلامية للمجلس العسكري.


ما معنى الإصرار الغريب من المجلس العسكري على إجراء تعديلات دستورية في دستور مشوه ومقطع الأوصال .. بل وساقط بالثلث بفعل الثورة؟! وما معنى سكوت المجلس العسكري على الكثير والكثير من مجرمي النظام ناهيك عن إصراره السابق على حكومة شفيق بونبون التي وضح جلياً للجميع أنها كانت السند الباقي لمجرمي أمن الدولة ويوم خروجها أحرقوا الملفات في احتفالية جنائزية عم دخانها ربوع المحروسة ؟! ما معنى ترك المجرمين طلقاء بلا حساب وهم معروفون للجميع ؟! ما معنى إصرار العسكر على عدم تشكيل مجلس رئاسي من مدنيين يشاركون فيه هم بممثل ؟! ما معنى إصرار المجلس العسكري على إجراء ثلاث انتخابات كبرى واستفتاء على الترقيعات الدستورية في ستة أشهر ؟! يعقبها ثلاث انتخابات كبرى أخرى بالضرورة وهو هدر شنيع لمقدرات الوطن ؟! آلاف علامات الاستفهام تدق عقولنا وتنسال منها آلاف الفئران تملأ عبنا وتنهش في قلوبنا خوفاً على مصر .


أليست هذه مبررات موضوعية تشير إلى فساد من نوع ما داخل المؤسسة العسكرية وهو الذي يتصدر المشهد ضاغطاً على شرفاء هذه المؤسسة الحبيبة وواضعاً حذائه في وجه الشعب صاحب الثورة الحقيقي وصاحب الشرعية الوحيد في هذا البلد ؟! ألا يشير ذلك إلى تضامن خفي بين بعض الفاسدين في المؤسسة العسكرية والثالوث الشيطاني المكون من أزلام النظام الفاسد والحزن الوطني وأباطرة المال المسروق بهدف ترقيع النظام البائد وتقديمه لنا بعد ستة أشهر في حلة جديدة وفي موكب ديموقراطي كاذب ومخادع ومضلل ؟! هل يعقل أن يتم بناء نظام حكم جديد في ستة أشهر ؟! إن لم يكن فساداً يلحق ببعض ممثلي المؤسسة العسكرية فماذا نقول عنه ؟ جهل مثلاً بمباديء وألف باء سياسة ؟ أتمنى والله أن يكون جهلاً منهم وليس فساداً .. ولكن على الجاهل أن يسمع ويتخلى عن عناده وإصراره على تدمير الثورة والبلاد بتصرفاته الغريبة تلك.


من العته أن نعتقد بملائكية رجال المؤسسة العسكرية وأنهم جميعاً فوق الشبهات في دولة دمرها نظام فاسد وباعها بالقطعة لأعدائها خلال ثلاثين سنة كئيبة .. فلا هم أنبياء معصومون من الفساد ولا نحن معصومون من الخطأ إن كانوا حقاً من أولياء الله الصالحين .. ليثبتوا لنا ذلك على أرض الواقع ويشعرونا بفرحة الخطأ التي ستكون فرحتين كبيرتين .. فرحة بسلامة درعنا الوطني وصلابته وسيره على جمر الفساد دون أن تحترق سترته العسكرية الحبيبة .. وفرحة بتحقيق أهداف الثورة المصرية العظيمة .


ليس هناك بيت في مصر كلها لم يتشرف بشهيد من أهل الدار أو الأقرباء في حروب مصر الحبيبة ، أنا شخصياً لي خمسة من الشهداء من أهلي في حرب أكتوبر العظيمة وحدها وكل المصريين كذلك بلا شك ، وكلنا يقدر الجيش المصري تقديراً ليس له مثيل على وجه الأرض لأي جيش آخر من شعبه ، لكن هذا الحب والتقدير يجب أن يقف عند حدود الوطن لأنه نابع أصلاً من دفاع هؤلاء الأبطال عن هذا الوطن الحبيب . هب أن لك إبناً أو أخاً يريد أن يفسد هذا الوطن أو يأتي بأفعال كارثية على الوطن ، كيف تتصرف معه ؟ هل يمنعك حبك الأبوي من محاسبته وكفه عن غيه ؟ وهؤلاء أبنائنا وإخواننا ولكن تصرفاتهم غير مقبولة أو مفهومة ولابد من إيقاظهم من غفوتهم إن كانوا غافلين أو محاسبتهم إن كانوا مخطئين ، فهم ليسوا فوق القانون أو فوق الوطن مهما علا شأنهم .. لن ولا ينبغي لهاماتهم أن تطاول الوطن ولا يحق لهم ذلك ، كما لا يحق لنا أن نغلب حبنا لهم على مصالح الوطن العليا .


المجلس العسكري يقسم بأيمانات الله أنهم غير طامحين أو طامعين في الحكم ، ونحن يجب أن نصدقهم كما يقول الجميع ولا أدري لماذا يجب علينا تصديقهم رغم كل الشواهد التي أمامنا والشواهد التاريخية أيضاً ، وما ثورة يوليو ببعيدة . فقد بشرت ثورة يوليو الشعب بحياة ديموقراطية رغيدة ودستور جديد ومجالس منتخبة وانتهت بمبارك المخلوع ، فهل يعيد التاريخ نفسه مع تغييرات طفيفة في الصفوف ؟ في ثورة يوليو خرج الضباط وتبعهم الشعب وفي ثورة يناير خرج الشعب وتبعه الضباط ولكن سيناريو ما بعد الثورتين متشابه إلى حد بعيد .. وأكثر وجوه الشبه مارس آذار وأزماته التي يخص بها المصريين (راجع أزمة مارس 1954م) .


يقول المجلس العسكري أنه حريص على الاستقرار ودوران عجلة الاقتصاد وانتقال السلطة إلى مدنيين منتخبين في ستة أشهر ؟! وهو أمر مريب إلى أقصى درجة لما يحمله من تناقض فج لا ينطلي على طفل صغير ولكن حب الناس للمؤسسة العسكرية وخوفهم منها أيضاً يمنعهم من التعبير علانية عما يجيش في نفوسهم من مخاوف أو حتى الحديث عن مزارع الفئران التي تعشش في (عبهم) . كيف لنا أن نصدق مقولة المجلس العسكري بأنه حريص على الاستقرار ودوران عجلة الاقتصاد وهو يجبرنا على ترقيعات دستورية بالية ستؤدي بنا إلى ستة انتخابات واستفتاءات كبرى تستنزف موارد الوطن أولها استفتاء الترقيعات ذاتها ؟!


هل يجب أن نصمت ونتركهم يعبثون بالبلاد هكذا ؟! لماذا الاستفتاء على ترقيعات دستورية ستؤدي كما يقولون إلى انتخابات لمجلسي الشعب والشورى ورئيس للجمهورية ، ثم يقوم الرئيس الجديد بالتشاور مع مجلسي الشعب والشورى لتشكيل لجنة جديدة لعمل دستور جديد ثم يطرح على الاستفتاء الشعبي ثم يتبعه انتخابات برلمانية جديدة لمجلسي الشعب والشورى (إن بقي الشورى) ورئيس جمهورية جديد كحتمية قانونية لمقتضيات الدستور الجديد ؟! أليس هذا عبثاً بمقدرات البلاد ؟؟؟!!!


لماذا لا يتم انتخاب لجنة من الآن لصياغة دستور جديد ويطرح هو للاستفتاء وبناء عليه يتم انتخاب مجلس نيابي واحد ورئيس جديد للجمهورية ، أليس هذا من العقل والحكمة ؟ أليس هذا هو الأسرع في الاستقرار الاقتصادي ؟ .. (ودنك منين يا جحا؟؟؟) لماذا اللف والدوران غير المفهوم وغير المبرر من المجلس العسكري ؟ فيا أيها العقلاء والحكماء في المجلس العسكري الموقر والحبيب .. إن كنتم تريدون استقراراً بحق فها هو الاستقرار الحقيقي وليس ما تفرضونه على مصر من فوضى تشريعية وسياسية اختلط فيها الحابل بالنابل وتمزقت قوى الثورة لمصلحة النظام البائد الذي تعملون على إحيائه بطريقتكم تلك .. لآ بقى .. يا غولة عينك حمرا .. ويجب أن نقولها واضحة جلية .. نعم أنتم بذلك تعملون ضد الثورة المصرية .. نعم أنتم بذلك أحد أهم أضلاع الثورة المضادة .. نعم أنتم تدفعون في اتجاه إحياء نظام ميت بوضعه على أجهزة تنفس صناعي ، فهل أنتم شركاء مع ذلك النظام البغيض ؟ أم أنكم لا تفقهون ما تفعلون .. ولا تدرون أي يم تلقون بمصر وشعبها فيه ؟! ألا تعقلون ؟؟!!!

شكلك مش فاهم يا نصة ..

نيــوتــــن في ميـدان التحــريــــر

لكل فعل رد فعل مساوِ له في المقدار ومضاد له في الاتجاه ، عبارة جميلة يرددها الكثيرون في مناسبات عدة دون معرفة ربما بقائلها الذي يعتبر واحداً من أهم العلماء في العالم وهو اسحق نيوتن (1642م - 1727م ، صاحب التفاحة الشهيرة التي أوحت له بقانون الجاذبية) ليس في الفيزياء فحسب بل الرياضيات والفلك والفلسفة وغيرها فالعلوم كلها جداول تصب في مجرى كوني واحد. هذه العبارة هي القانون الثالث لنيوتن الذي صاغ ثلاثة قوانين للحركة وقوانينه ونظرياته مازالت تمثل حجر الزاوية في كافة العلوم الحديثة لما تتمتع به من ديمومة لارتباطها أو لنقل تفسيرها لظواهر كونية ثابتة.

المتأمل في الكون من حولنا سيلاحظ بسهولة هذه الحقيقة التي فسرها نيوتن في كلمات بسيطة (لكل فعل رد فعل مساو له في المقدار ومضاد له في الاتجاه) ، وبكلمات بسيطة أيضاً نستطيع القول أن أي فعل لا يكون فعلاً إلا إذا حدث ووقع وهنا لابد أن يقابله رد فعل مساوِ له تماماً ولكنه في الاتجاه المعاكس ، هكذا خلق الله الكون وأوجد فيه نواميسه الكونية التي تنطبق على الذرات والمجرات والحجر والشجر بنفس المعايير مهما اختلفت الأحجام والأشكال. وعندما نتحدث عن فعل البناء لابد أن ندرك يقيناً أن ثمة فعل مضاد من الهدم يحدث كرد فعل طبيعي لما نقوم به من بناء ليس من باب نظرية المؤامرة ولكن من باب التسليم بوجوب تحقق نواميس الكون وسنن الله في خلقه ، ولهذا ظهرت نظريات عديدة لشرح عمليات مقاومة التغيير في المؤسسات والمجتمعات وكيفية التغلب عليها لكي يكتمل البناء .

ففعل البناء من الأجيال الجديدة النقية المتطلعة إلى المستقبل يقابلها بالضرورة والحتمية الكونية والتاريخية فعل الهدم في الجيل القديم المستهلك الفاسد وهو مساو له في المقدار ومضاد له في الاتجاه وفق نواميس الكون الإلهية بلا أدنى شك أو ريبة في حدوثها ، بل إن من يشكك في حدوث عمليات الهدم المضادة يكون في أحيان كثيرة جزءاً منها بصورة ما. يخطيء من يظن أن ثورة الخامس والعشرين من يناير ستمضي في طريقها إلى الديموقراطية والحرية والعدالة بلا ثورات مضادة تضع لها العصى تلو الأخرى في العجلات كي تثنيها عن أهدافها بشتى الطرق الممكنة. الحديث عن الثورة المضادة ليس من حسن الفطن كسوء الظن ولكنه حديث عقل وعلم مجرد من أية عواطف هنا أو هناك .. مع أو ضد ، لأن الموضوع في النهاية يخضع كما قلنا لنواميس كونية لا فكاك منها مهما حاولنا.

كما يخطيء أيضاً من يظن أن أباطرة الحزن الوطني وفلول نظام مبارك المخلوع وعصابات الأمن هي فقط أبطال الثورة المضادة لأن كل مستفيد بصورة من الصور في النظام البائد سيتحول إلى معول هدم في بناء ثورة يناير. الموضوع لا يتعلق بأركان نظام فقط يريد أن يعود ويثأر لكرامته التي داسها الشعب بالنعال ولكنه يتعداه إلى مصالح متشابكة وأنماط حياة توقفت وأرزاق قطعت ورقاب يمكن أن تقطع بسيف القصاص لو طالتها يد العدالة والقانون التي كانت مغلولة عنها ردحاً طويلاً من الزمن فعاثت في الأرض فساداً دونما رقيب أو حسيب ، لذا يجب أن ننتبه بعيون مفتوحة وعقول مفكرة واعية لكثير من بؤر الثورة المضادة التي تزيد كثيراً عما يظن الطيبون منا ، ويجب التحرك سريعاً لقطع تلك الأذرع من جذورها وليس من أطرافها الضعيفة الظاهرة .


إن قطع تلك الأذرع الشيطانية لن يتم عبر سن قوانين بطلجة أو تغليظ عقوبات على صبيان هم في الغالب مجموعات من القصر والمشردين ومدمني المخدرات الموجهين بريموتات تقف من بعيد ، فالأولى هو قطع تلك الأيادي التي تحركهم ومصادرة الريموتات من ضباط الداخلية المجرمين الذين شكلوا تلك العصابات الميليشياتية قبل سنوات ، يتم هذا بالتوازي مع تحجيم كامل لكافة القوى الفاسدة الأخرى المتغلغلة في الإعلام والقضاء الذين يشكلون الغطاء الإعلامي والسياسي للتعمية والتمويه على تلك الثورة المضادة ، وفي نفس السياق لابد من تجفيف منابع التمويل من رجال الأعمال المجرمين وأعضاء الحزن الوطني . ليس الأمر معقداً كما يعتقد البعض لأن مسئولي الميليشيات وعصابات البلطجة في وزارة الداخلية معروفون في أفراد أمن الدولة والمباحث العامة ، بل إن أكبر تشكيلاتهم ما يعرف بحبيب عز هو أشهر من نار على علم وأفراده معروفون للجميع سواء كانوا في وزارة الداخلية أو صبيان المتهم المجرم أحمد عز.


إن التهوين من خطر الثورة المضادة خطأ فادح ، وكذلك الثقة المفرطة بقوة ثورة يناير وقدرتها على الصمود في وجه الثورة المضادة خطأ لا يقل فداحة عن سابقه ، وأما من يدعون عدم وجود الثورة المضادة من الأساس فهم جهلاء أو مجرمون بحق هذا الوطن بكل ما تحمله الكلمتان من معنى حتى ولو كان المجلس العسكري ذاته الذي أذاع أكثر من مرة في أكثر من مناسبة أنه لا وجود للثورة المضادة ، فهل نفهم من هذا أن السادة في المجلس العسكري يجهلون الحقيقة التاريخية والواقعية أمام أعينهم ، أم ماذا ؟ ولماذا يصرون على ذلك حتى اليوم ؟ لماذا ولماذا .. وألف لماذا دون جواب مقنع حتى اللحظة. أعضاء المجلس العسكري ليسوا أنبياء أو قديسين منزهين عن الخطأ والزلل ورما الفساد ، فما كنا نعلمه عن الفساد في ذلك العهد البائد كان مجرد نقطة في بحور الفساد التي تم اكتشافها اليوم وهو أمر يدعو إلى الريبة في الجميع دون استثناء.


ليس هناك من سبيل آخر غير تشكيل لجنة تحقيق كبرى مستقلة تحت أي مسمى تتولى بنفسها تطهير وزارة الداخلية وكلاً من الجهاز القضائي والإعلامي في مصر لفك تلك الترابطات والتشكيلات العصابية المبنية على مصالح مليارية بينهم . طبيعي أن يغضب البعض في تلك المؤسسات وهو غضب مقبول لكن استمراره وتعطيله لتشكيل هذه اللجنة لن يكون مبرراً أبداً لأن الشرفاء لا تخيفهم الحقائق بل يجب عليهم أن يكونوا هم جنوداً لها ومدافعين عنها فهي تعمل لتطهير مؤسساتهم من دنس يلطخ سمعة الأجهزة التي ينتمون إليها ولا سيما أن تلك اللجنة ستضم بالطبع بين أعضائها كثير من شرفاء تلك المؤسسات الثلاث (الداخلية ، القضاء والإعلام) بجانب آخرين من رموز العمل العام بكافة صوره . تشكيل مثل هذه اللجنة ليس بدعة مصرية بل هي تقليد لما تم في كافة الدول التي تحولت قبلنا من الفساد والفوضى إلى الديموقراطية ، فعلينا أن نراجع تجارب تلك الدول سواء جنوب أفريقيا أو دول أوروبا الشرقية وأمريكا الجنوبية ونعمل سريعاً نحو هذا الهدف المنقذ قبل أن تشتعل البؤر الأخرى للثورة المضادة ونفقد عندها كامل توازننا وتضيع مصر لا قدر الله.


من الطبيعي أن يكون ثلاثي الأضلاع الشيطانية المتمثلة في الحزن الوطني وفلول النظام البائد وأجهزة الأمن هي المتصدرة والقائدة للثورة المضادة حالياً ، لكن يجب ألا نغفل الأطراف الأخرى التي لم تدخل على الخط حتى الآن من منتفعي النظام السابق والعاملون في الظل ممن جعلهم النظام الفاسد مجرمون وهم أكثر بكثير مما نظن. لدينا عدة ملايين في أجهزة الدولة المختلفة يعملون بأجور لا تفي بنفقات التوصيل إلى العمل أو لنقل أنهم يعملون بالمجان تقريباً من باب المرمغة في تراب الميري وبعضهم لديه أعمال أخرى يسترزق منها والبعض الآخر يعتمد في دخله الإضافي أو ربما الأساسي على جيوب المواطنين وهؤلاء بالملايين في دواوين الدولة المختلفة ، فكيف يعيش هؤلاء بعد قيام الثورة ؟ لعل تلك الجريمة الشنعاء بحق الوطن هي أكثر الجرائم التي يجب أن يعاقب عليها مبارك ونظامه لأنهم شوهوا المواطن المصري وجعلوا منه مجرماً بالضرورة ، وهي في رأيي أشد جرائم ذلك النظام قسوة على كثرة جرائمه الأخرى وكلها بشعة .


أما العصابات المنظمة من أعضاء المجالس المحلية الذين يزيدون عن الخمسين ألفاً في ربوع مصر والمحافظين ومساعديهم ودواوينهم الملأى بالفساد حتى النخاع ، فلا يمكن إصلاحها إلا بالحرق والتطهير الكامل بلا لجان أو تحقيقات ويكفيهم ما غنموا طوال تلك السنوات من دماء هذا الشعب الصبور . بغير هذه الخطوات التطهيرية اللازمة والواجبة والعاجلة فلدي خوف كبير على ثورة يناير وما يمكن أن يصيبها من تلك الجموع الهدامة التي تدافع عن مصالحها ورقابها . أما الداعون إلى المصالحة ونبذ الخلاف والفرقة وترك التشفي والإنتقام واستحضار أخلاق المصريين السمحة فهم واحد من اثنين إما مغيبون عن فهم حقائق التاريخ ولوازم الثورات بفعل ركام سنوات طوال من الظلم فقنعوا بما تحقق واعتبروه نصراً مؤزراً ما بعده نصر ، وهؤلاء يجب إيقاظهم من غفوة النشوة بطرد الفاسد الأكبر الرئيس المخلوع ، وإما مجرمون شركاء في الفساد يرتدون مسوح الحملان ولم نر يوماً أن دافعت الحملان عن الذئاب .


الموضوع ليس تشفياً أو انتقاماً على الإطلاق ولكنه حساب ضروري لمن أجرم بحق الوطن ونهبه اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً ، وليس هناك عاقل يقبل بالعفو عن المجرمين لأن في ذلك كسر لميزان العدل الذي يدمر كسره أي مجتمع وهو استمرار لذات الحالة من اللامبالاة والسلبية التي كنا نشكو منها قبل ثورة يناير رغم وضوح أسبابها جلية كالشمس في غياب العدل ، فهل قامت الثورة إلا من أجل العدل والمساواة ؟! إن جميع الصور السلبية التي كنا جميعاً نشكو منها في الشارع المصري لم تكن لقيطة ، فالجميع يعلم يقيناً أن أباها نظاماً فاسداً وأمها ميزان العدل المكسور ، ففوضى المرور والقمامة في الشوارع هي بعض صور الاحتجاج اللا إرادي الذي يخرج بعفوية وكأنه عادة وهو في الحقيقة ظاهرة تعبر عن ضعف الإنتماء لوطن لا نملكه لأننا مظلومون فيه ومسلوبة حقوقنا لصالح فئات بعينها من أحباب وأتباع ومريدي النظام الفاسد البائد .


والأهم من ذلك هو حماية للثورة الوليدة .. من طوفان الثورات المضادة ..

06 مارس 2011

أدركوا المستندات .. فيها حماية مصر

لابد من الحفاظ على قصاصات الورق المفرومة لكي يمكن استعادة تلك المستندات ، نعم هناك فرق متخصصة في ذلك مهما كانت القصاصات كالخيوط الصغيرة المتناثرة .. لذا يرجى الاحتفاظ بالأوراق المفرومة في أماكن آمنة جداً وعدم حرقها أو التخلص منها نهائياً وتحت أي ظرف من الظروف. أما المستندات المحترقة من منتصفها أو بقي فيها حتى كلمة واحدة فيجب حفظها أيضاً في أماكن آمنة لحين اتضاح الرؤية وتعيين نائب عام جديد يثق فيه الشعب.

الخطورة في تلك المستندات لا تكمن فقط في تمكيننا من محاسبة كلاب الدولة ورموز الفساد فحسب ولكنها ستنير لنا الطريق نحو غد بلا عقبات أو مطبات لأن هؤلاء كلاب الدولة كانوا وربما سيستمرون في المستقبل في صنع العراقيل للدولة المصرية نكاية في الثورة المباركة ، لذا فهذه المستندات تحتوي على كثير من الإشارات والإضاءات التي يمكنها مساعدتنا في كشف المخططات الشيطانية لذلك الجهاز الملعون وعلاقاته بالموساد الإسرائيلي وأجهزة المخابرات الأخرى الطامعة في بلادنا.

كما أن تلك المستندات يمكن لها أن تحمل الحقائق عن آلاف خطفوا وظلموا وليس لأهليهم اليوم غير البحث عنهم بين تلك الأكوام من الأوراق لعلهم يجدون ما يشفي غليلهم ويبين لهم أي دليل عن أبنائهم ، ماتوا أم أحياء ، وأين هم أو أين رفاتهم ؟ هذا أمر جد خطير لأهالي المفقودين وهم بعشرات الآلاف في مصر .

الموضوع في غاية الخطورة .. فتلك المستندات يمكن لها بالفعل أن تحمي مصر .. أرجوكم حافظوا عليها بشتى السبل .. ولا تتهاونوا فيها لكائن من كان ..

03 مارس 2011

ســحـرة فـــرعــــــون


بدأت وسوف تتعالى أكثر في الأيام القادمة أصوات سحرة فرعون الإعلاميون مطبلة لإنجازات ثورة الشباب (ومش عارف ليه الشباب بس مش الشعب المصري كله؟!) التي غيرت الدنيا وحققت المعجزات و (جابت الديب من ديله) أو نقلته من القاهرة إلى شرم الشيخ ووو إلخ .. لكي يفرح الشباب ويعيشوا نشوة انتصار مزعوم يتلهون به عن جوهر القضية الأساسي وهو تغيير النظام لنقل مصر من عهد بائس ويائس إلى العدل والحرية والديموقراطية. كل قطرات المهديء اليومية من التحفظ على فلان ومنع علان وسجن ترتان سيتولى سحرة فرعون تضخيمها إعلامياً لتبدو هي الإنجاز الأكبر والبديل عن القضية الاساسية وغاية المراد من رب العباد.

لقد بدأت حناجر سحرة فرعون تصدح بعبارات كتب القراءة الرشيدة .. دقت ساعة العمل .. واللي يحب مصر يشرب اللبن قبل النوم ويبطل مظاهرات .. ويغسل إيديه قبل الأكل ويبطل مظاهرات .. دعونا نبني مصر .. مش عارف إيه في حب مصر .. سعياً من الكيان الهلامي للثورة المضادة إلى إطفاء الثورة حتى يخفت صوت المظاهرات من جمعة إلى جمعة وتتوقف الاعتصامات ، وتلجم الاحتجاجات الفئوية بواسطة أذناب النظام المتربعين على رأس كل مؤسسة في البلاد .. وتعود ريمة إلى عادتها القديمة .. ولكن هيهات . ساعة العمل لم تدق بعد ولم يتحقق شيء من أهداف الثورة غير تغيير محل إقامة الرئيس المخلوع .

ولو قمنا بعملية حسابية بسيطة لوجدنا أن ما يفقده الاقتصاد المصري في كل يوم أثناء المظاهرات أقل بكثير جداً من الفاقد في أيام العمل العادية مع الفساد . تفقد مصر حوالي ثمانمائة مليون دولار يومياً بسبب الفساد وفق ما أعلنته منظمة الشفافية قبل أيام ، إذن المظاهرات تعتبر أربح لمصر حسابياً حيث توقف معها نزيف الفساد وهو رد مقحم لكل من يدعي أن المظاهرات تؤثر سلباً على الاقتصاد. حتى وإن أثرت سلباً لفترة قصيرة فتلك الخسائر لا يمكن أن تقارن أبداً بحجم المكاسب الهائلة التي سيجنيها الاقتصاد المصري حين يعمل بشفافية في ظل حكم ديموقراطي حقيقي (مش نص كم) كما يريدون لها . وهي مكاسب ستنعكس بشكل مباشر على المواطن لأن النظم الديموقراطية تجذب رأس المال النظيف الذي ينمي ويفيد البلاد والعباد ، أما النظم السلطوية الفاسدة كنظام مبارك البائد فلا تجذب إلا رأس المال القذر الذي يبحث عن بيئة فاسدة لكي ينتعش فيها وينهب مع الناهبين في أراضي الدولة ومنشآتها وترتفع معدلات النمو الاقتصادي بلا معنى ولا أي أثر على المواطن كما كان يحدث في السنوات الماضية.

نرى أن هذا التشويش من سحرة فرعون يسير بالتوازي مع طنين من نوع آخر يهدف إلى إعادة جهاز الشرطة المجرم إلى العمل بغير أي حساب على دم مئات الشهداء وآلاف الجرحى في دعارة إعلامية غير مسبوقة تساوي بين شهداء الحرية وقتلى الشرطة المجرمين كما تفعل إحدى القنوات الفضائية ببث صور قتلى الشرطة بلا أي وعي أو حس إعلامي ببشاعة الجرم الذي ترتكبه تلك القناة بحق المجتمع من تأجيج روح الثأر لدى الشعب تجاه الشرطة بدلاً من تهدئته ، فطالما هذا القاتل تعتبرونه شهيداً فسيأخذ الشعب حقه بيديه من الشرطة المجرمة وتعم الفوضى.

فشهيد الثورة خرج أعزلاً من بيته لا يحمل إلا صوته سلاحاً صارخاً في وجه الظلم والطغيان ومعلناً في الوقت نفسه أنها سلمية .. سلمية .. ملوحاً بيدين مرفوعتين بالسلام وصدر عارِ .. فيفاجأ برجال الشرطة المجرمة يرمونه بالرصاص الحي في مقتل . وأما صريع الداخلية القاتل المحمل بشتى أنواع الأسلحة ومنها المحرم دولياً ليواجه متظاهر أعزل يصرخ في وجهه متوسلاً سلمية سلمية والله العظيم سلمية .. ولم يعبأ بصراخ بني وطنه فقتل منهم ما استطاع .. وهرب رعباً من هول ما اقترفت يداه من جرم ودم أو هرب خيانة للوطن وتخلياً عن الواجب .. وعند هروبه فاجأه القدر بديون قديمة عليه سدادها لمساكين أو بلطجية عذبهم في الأقسام وقطع من أجسادهم وداس كرامتهم ووجدوا فرصتهم في الثأر منه لأن العين بالعين والبادئ أظلم.


هل يستويان ؟ كيف يستوي شهيد الحرية مع قتيل أفعاله الشقية المجرمة ؟ كيف نقول عن الإثنين شهداء وتقام البرامج الحوارية المليقة والمعازي التليفزيونية والصحفية في دعارة إعلامية مقيتة وفجة ووقحة تماماً كصاحبات الهوى اللائي لا يخجلن أبداً من أفعالهم ، بل ربما يرمين الشريفات أحياناً .. لقد انعدم الحياء عند هؤلاء فلا يشعرون بهول جرائمهم الإعلامية البشعة .. هنا الكارثة حينما يرى المجتمع أن دم شهدائه قد خلطوه بدم قاتليه من المجرمين.


إن تلك الجرائم الإعلامية في التضليل وخلط دم الشهداء الطاهر بدماء القتلة والسفاحين من الشرطة وإطلاق كلمة شهيد عليهم هو نوع من خلط الأوراق الخسيس لتلميع صورة جهاز شرطة قذر وفاسد بل سفاح آن له أن يحاسب على جرائمه كلها بداية من جرائم الدم والقتل والجمال والبغال وانتهاء ببث الفوضى وإطلاق السجناء التي يعاقب عليها القانون بالإعدام لأنها من جرائم الخيانة العظمى للوطن . تشارك تلك الأبواق الإعلامية الغبية أو المتغابية في تلك الجريمة بدعاوى واهية من قبيل عودة الأمن إلى الشارع سريعاً وهي كلمة حق أريد بها باطل ، فلا أمن بلا عدل ولا عدل بلا عقاب رادع للقتلة والسفاحين من الشرطة والسياسيين والإعلاميين الذين شاركوا ومازالوا بفعالية في تخريب الوطن.


إن أي بداية صحية ومتزنة يجب أن تبنى على حصول كل ذي حق على حقه المعنوي قبل المادي وليس استكمالاً لعلاقة قديمة فظيعة وآثمة ضاعت فيها الحقوق بنفس الطريقة ذاتها في خلط الأوراق وتزوير الحقائق وعلى المتضرر من المصريين أن يبتلع غيظه ويتوسد حنقه وألمه وينام ويحلم من جديد بنسمات العدل والحرية بشهداء جدد ودماء أكثر وأغزر يريقها على مذبح الحرية والعدالة الغائبتين ، ولا ينسى قبل النوم أن يلعن هذا البلد العقيم الذي لا يشبع من دماء أبنائه ويسبه عند اليقظة ويتفنن في تخريب ما تصل إليه يده لكي يشفي بعض غليله .. ولن يشفى.

لقد آن لسحرة فرعون أن يصمتوا ويكفوا عن غيهم الجاهل بدعاوى باطلة عن الاستقرار والأمن المفقود ليتركوا المجال لهذه الثورة الطاهرة أن تحقق أهدافها من تغيير حقيقي في النظام وليس تجميلاً في رأسه الفاسد فقط ويبقى الجسد متجزراً بطول البلاد وعرضها عبر حكومة ومحافظون ومحليات ولدت وترعرعت في بالوعة الفساد. أي بناء جديد لابد أن يقوم على أسس متينة من العدل وليس على جسد نظام عفن استباح مقدرات البلاد والعباد ومازال يهيمن شرقاً وغرباً بلا أي محاسبة حقيقية على جرائمه . ولسوف يستأسد الفساد أكثر وأكثر بعد أن اكتسب من هذه الثورة غير الكاملة خبرات جديدة تمكنه من ابتداع الحيل والأساليب الشيطانية المناسبة لحقبة ما بعد الخامس والعشرين من يناير . وعلى مصر أن تستعد بمئات وربما آلاف الشهداء الجدد لثورة أخرى علها تستطيع التغيير بعيداً عن وصاية المؤسسة العسكرية التي نصبت من نفسها وصياً على شعب قاصر لم يبلغ الرشد بعد في نظرها.

ولسوف يسجل التاريخ لسحرة فرعون بأسطر سوداء قاتمة دورهم البارز في مؤازرة المؤسسة العسكرية وتمكينها من إطفاء ثورة شعب مصر وامتصاص غضبته ضد الفساد والقهر والظلم ، وهو استمرار لدورها السابق في تزيين الفساد والفاسدين على مدى ثلاثين عاماً كئيباً كانوا جميعهم جزءً أصيلاً وفاعلا فيه ومستفيداً منه بكل تأكيد .




http://www.facebook.com/photo.php?fbid=197579853600181&set=a.197441410280692.48450.197440426947457&ref=nf#!/ibnbahya?sk=notes